الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي

221

القرآن نهج و حضارة

عقل البشر وفهمه : الخالق القدير الذي أوجد هذا الكون بقدرته جعل فيه مجموعة من الحقائق الكبرى ، وأراد للإنسان أن يفهمها من خلال توجيه الخطاب إليه والحديث معه عبر هذا الكتاب المبارك ، فقسم من هذه الحقائق يختص به مباشرة بحياته وممارساته وعلاقاته في هذا الكون كبشر تحكمه علاقة بما يوجد حوله من موجودات ومخلوقات أخرى ، وقد أشار القرآن إلى هذه الحقائق باعتبارها ملموسة للإنسان ، فتحدث عن الطبيعة وما فيها من أمور ظاهرية يباشرها ، ويتعامل معها يوميا ، ويتأثر بها ، وتؤثر عليه كحركات الأجرام السماوية والكواكب وبالأخص حركة كوكبنا الذي نعيش عليه ، وما فيه من آثار على الإنسان والحيوان والنبات والأرض التي يعيش عليها . وهناك قسم آخر من الحقائق فوق عقل البشر لا فهم البشر كما أسلفنا في حديث مضى ، حيث هناك فرق بين عقل البشر وفهم البشر ، فإذا كانت تلك الرؤى والبصائر وما يطرحه الرب في كتابه العزيز فوق مستوى الفهم فلا يفهمها العبد ، ولا يفهم ما ذا يريد اللّه ؟ فيكون الكتاب بالنسبة إليه غامضا . ولكن مع ذلك وحتى تبقى معجزة القرآن خالدة فإنه تجاوز عقل البشر المحدود لا فهمه ، تجاوزه من حيث المستقبل أو ما نسميه بالغيب وما وراء الطبيعة ، فإن هذه أمور فوق الحياة وليست هي من الأمور المحسوسة ، ولذا أكد القرآن على مسألة الغيب والإيمان به وجعله جزءا من الإيمان باللّه . لكن القرآن لم يمنع الإنسان من استخدام كل طاقاته الحسية والعقلية والتجريبية لاكتشاف قوانين الطبيعة وما في الحياة . فالقرآن الكريم دعا المسلم إلى ضرورة ذلك بشرط أن يكون مبنيا على